الراغب الأصفهاني
191
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
فعيّرني هذا بشيئين بأخذ الدية وبأن ديتهم التمر وكانت دية العربي المعمّ المخول من التمر مائة وسق ومن الإبل مائة بعير ودية الهجين على النصف ودية المولى على الربع . والملك ومن هو من بيته ألف وسق . والإسلام سوّى بين الكلّ لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم . التعيير بترك الثأر والحثّ على أخذه قيل لأعرابي : أيسرك أنك من أهل الجنة وأنك لا تدرك ثارا قط ؟ قال : بل يسرني إن أدرك الثار وأنفى العار وأدخل مع فرعون النار . قدم هدبة بن الخشرم العذريّ ليقتاد بابن عمه فأخذ ابن المثئور به السيف فضو عفت له الدية حتى بلغت مائة ألف ، فأبت أم الغلام أن يقبل الدية وقالت : أعطى اللّه عهدا لئن لم تقتله لأتزوجنه فيكون قد قتل أباك وناك أمك . قال عبد الرحمن بن شافع : فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم * فكونوا نساء للخلوق وللكحل « 1 » ويبيعوا الردينيّات بالحلى واقعدوا * على الذلّ وابتاعوا المغازل بالنبل ونحوه ، قول عمرة بنت وقدان : فإن أنتم لم تطلبوا بأخيكم * فذروا السلاح ووحشوا بالأبرق « 2 » وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا * نقب النساء فبئس رهط المرهق التعيير يأخذ الدية وعدمه قال شاعر : وإن الذي أصبحتم تحلبونه * دمّ غير أن اللون ليس بأحمرا إذا سكبوا في القعب من ذي إنائهم * رأوا لونه في القعب وردا وأشقرا قال آخر وكان أخذ من ابن عمه دية أبيه : إذا صبّ ما في القعب فاعلم بأنّه * دم الشيخ فأشرب من دم الشيخ أو دعا « 3 » قال آخر : خذوا العقل إن أعطاكم العقل قومكم * وكونوا كمن سيم الهوان فلم ينل كان لعتبة الأعرابية غلام شديد العرامة « 4 » ، كثير التلفت إلى البأس فواثب فتى من الإعراب فقطع الفتى أنفه فأخذت أمه ديته فحسن حالها ثم واثب آخر فقطع أذنه فأخذت ديتها ثم آخر فقطع شفته فأخذت ديته فلما رأت ما صار إليها من قبل ابنها أنشدت : أقسم بالمروة حقا والصّفا * أنّك خير من تفاريق العصا
--> ( 1 ) الخلوق : من ضروب الطّيب . ( 2 ) يقول : إذا لم تطلبوا الثأر اتركوا سلاحكم وتزيّوا بأزياء النساء ، معيّرا إيّاهم لعدم ذودهم عن عزّتهم . ( 3 ) القعب : القدح الكبير الضخم . ( 4 ) العرامة : الإعجاب بالنفس .